القرطبي
111
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
صلى اللّه عليه وسلم شبرا أو نحوا من شبر ، يعني في الارتفاع « 1 » . قال علماؤنا - رحمة اللّه عليهم - يسنّم القبر ليعرف ، كي يحترم ، ويمنع من الارتفاع الكثير ، الذي كانت الجاهلية تفعله ، فإنها كانت تعلي عليها ؛ وتبني فوقها تفخيما لها وتعظيما ؛ وأنشدوا : أرى أهل القصور إذا أميتوا * بنوا فوق المقابر بالصخور أبو إلا مباهاة وفخرا * على الفقراء حتى في القبور لعمرك لو كشفت الترب عنهم * فما تدري الغنيّ من الفقير ولا الجلد المباشر ثوب صوف * من الجلد المباشر للحرير إذا أكل الثرى هذا وهذا * فما فضل الغنيّ على الفقير ؟ يا هذا ، أين الذي جمعته من الأموال ، وأعددته للشدائد والأهوال ؟ لقد أصبحت كفّك منه عند الموت خالية صفرا ، وبدلت من بعد غناك وعزّك ذلا وفقرا ، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره ، ويا من سلب من أهله ودياره ؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد ، وأقل اهتمامك لحمل الزاد ، إلى سفرك البعيد ، وموقفك الصعب الشديد ، أو ما علمت يا مغرور ! أن لا بد من الارتحال ، إلى يوم شديد الأهوال ، وليس ينفعك ثمّ قيل ولا قال ، بل يعد عليك بين يدي الملك الديان ، ما بطشت اليدان ، ومشت القدمان ونطق به اللسان ، وعملت الجوارح والأركان ، فإن رحمك فإلى الجنان ، وإن كانت الأخرى فإلى النيران ، يا غافلا عن هذه الأحوال ! إلى كم هذه الغفلة والتوان ، أتحسب أن الأمر صغير ، وتزعم أن الخطب يسير ؟ وتظن أن سينفعك حالك ، إذا آن ارتحالك ، أو ينقذك مالك ، حين توبقك أعمالك ، أو يغني عنك ندمك ، إذا زلّت بك قدمك ، أو يعطف عليك معشرك ، حين يضمك محشرك ، كلا واللّه ساء ما تتوهّم ، ولا بد لك أن ستعلم ، لا بالكفاف تقنع ، ولا من الحرام تشبع ، ولا للعضاة تستمع ، ولا بالوعيد ترتدع ، دأبك أن تنقلب مع الأهواء ، وتخبط خبط العشواء ، يعجبك التكاثر بما لديك ، ولا تذكر ما بين يديك ، يا نائما في غفلة وفي خبطة يقظان ، إلى كم هذه الغفلة والتوان ، أتزعم أن ستترك سدى ، وأن لا تحاسب غدا ، أم تحسب أن الموت يقبل الرّشا ، أم تميز بين الأسد والرّشا ، كلا واللّه لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون ، ولا ينفع أهل القبور إلّا العمل المبرور ، فطوبى لمن سمع ووعى ، وحقّق ما ادّعى ، ونهى النفس عن الهوى ، وعلم أن الفائز من ارعوى ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في « المراسيل » ( 421 ) عن صالح بن أبي الأخضر . وصالح ؛ ضعيف .